من مهرجان تورونتو السينمائي: حوار مع ياسميلا جبانيتش وكيم فيركو
10 سبتمبر 2013

(L-R) Director Jasmila Zbanic and actress Kym Vercoe. (Photo by Jeff Vespa/WireImage)
بقلم نيكولاس ديفيس
بعد 20 عاماً من انتهاء حرب البوسنة في يوغوسلافيا، أحبّت المخرجة ياسميلا جبانيتش إلقاء الضوء على المآسي التي واجهتها بلدة فيزيغراد في بدايات الحرب. المحصّلة كانت فيلماً بعنوان “لمن لا يستطيعون إخبار القصص“، أضاء على إحدى أبشع جرائم الحرب التي شهدتها البشرية.
أخبرتنا ياسميلا أنها عاشت في سراييفو خلال الحرب، و لا زالت تشعر أنها انتهت البارحة؛ لكنها تضيف: “وأحياناً أشعر أنها انتهت منذ عصور”. وتشرح بأنها شعرت بضرورة صناعة فيلم لكي تطمئن أخيراً إلى أنها انتهت منذ 20 عاماً. دارت أسئلة كثيرة في رأسها، منها: “ما هو البلد الذي نعيش فيه الآن؟ ما الذي نشعر به تجاهه؟”. وبينما هي تبحث عن قصّة مناسبة للفيلم، شاهدت ياسميلا بمحض الصدفة أداء الفنانة المسرحية الأسترالية كيم فيركو في عمل يدعى “7 كيلومترات شرقاً“، فأدركت مباشرةً ماذا ستفعل. تقول شارحة: “كانت المسرحية تعبّر عن كل ما أشعر به تجاه البوسنة”.
وقد كان عمل فيركو مقتبساً من تجربة سفرها إلى البوسنة ذات يوم لقضاء عطلة. قرأت في أحد الكتيّبات السياحية عن بلدة تدعة فيزيغراد، فزارتها ونزلت في فندق فيلينا فلاس. لكنها سرعان ما اكتشفت أن تاريخ هذه البلدة القوي غاب عنها. فالبلدة تعرّضت لحملة تطهير عرقي رهيبة ذهب ضحيتها أكثر من 1500 شخص. أما الفندق الذي نزلت فيه، فكان يُستخدم معسكراً للاغتصاب حيث سجنت فيه مئات النساء وتم اغتصابهن وقتلهن. تلقّت كيم الصدمة، وقضت بعض الوقت لتتمكن من استيعابها والتحرّك لإيجاد سبيل لتخليد ذكرى النساء والمواطنين المنسيين الذين قتلوا في هذا الفصل البشع من الحرب.
ارتأت ياسميلا التواصل مع فيركو عبر البريد الالكتروني، واقترحت عليها صناعة فيلم عن المسرحية. تقول: “قلت لها أنا ياسميلا وأعتقد بأن مسرحيتك قد تكون أساساً ممتازاً لفيلم رائع. ما رأيك؟ ليس لدي مال، لكني أحب أن أقوم بذلك”. في المقابل تقول فيركو: “ذهبت هذه الرسالة إلى صندوق البريد غير المرغوب فيه، وأنا نادراً ما أتفقده. لكني رأيت هذه الرسالة من ياسميلا من ساراييفو. كنت في عملي وضحكت عالياً جداً. كنت أعرفها من فيلم “غربافيتشا” الذي أحببته كثيراً. ثم حين تلقيت رسالتها وهي تخبرني فيها أنها تريد تحويل مسرحيتي إلى فيلم… لم أتصوّر أن ذلك قد يحصل على الاطلاق”. وتناقشت السيدتان حول الموضوع. وبعد أسبوعين، كانت فيركو على متن طائرة متجهة إلى البوسنة. ثم بدأ التصوير.
ظهر الفيلم مملوءاً بنفس غاضب نظراً للاغتصاب الممنهج والتطهير العرقي وكل الجرائم التي لم يُحاسب عليها مرتكبوها، وذهب كل ذلك طي النسيان. لكن هذا الغضب لا يطفو على سطح الفيلم. العمل خالٍ تماماً من اللهجة الخطابية والمواجهات الحادة. لكننا نشعر بأن ثمة غليانٍ يجري في الأعماق، مولداً توتراً ما بين الأحداث الرهيبة التي حصلت في فيزيغراد وكيفية النظر إليها في وقتنا الحاضر. تعلّق ياسميلا: “لكي نتمكن من إضفاء القوة على العمل، كان علينا دفع الناس للاستنتاج بأنفسهم ما الذي حصل… دون أن نفرض آراءنا الخاصة. كانت لدينا الكثير من المشاهد التي عبرنا فيها عن أرائنا لكننا تخلّصنا منها”.
وتضيف فيركو: “أوافق الرأي. كنا وكأننا نمسك بيد أحدهم ونأخذه إلى حيث باستطاعته رؤية ما نشعر ونفكر به. شكّل ذلك صراعاً داخلياً كبيراً لأن طريقة البعض في النسيان والسير قدماً، تسلب آخرين قدرتهم على القيام بالمثل.
وتضيف فيركو: “أريد أن يواجه الجمهور كل ذلك، وإذا كنا نريد التعبير عن كل ذلك الغضب، فنحن إذاً نفرض عليهم ما نظن أنه الجواب”. ولكي نتأكد من أن القصة ستصل إلى الجمهور، حاولنا جاهدتيْن صناعة فيلم رائع. كان من السهل جداً أن تكون المحصّلة فيلماً من الصعب مشاهدته، نظراً لكل الفظائع التي يلقي الضوء عليها”.
إن وضع حد لهذا الإفراغ العاطفي، جعل الفيلم يخلو من أية خاتمة لهذه السلسلة من الأحداث. غياب الخاتمة هو فعلاً من أقوى عناصر العمل. ينتهي الفيلم، ويخرج الجمهور من الصالة وفي رأسهم تعتمل المشكلة التي حاول تقييمها: كيف ندرك كل الأحداث الفظيعة التي يرتكبها الأفراد في حق بعضهم البعض خلال الحروب؟ هذا السؤال لا يجب أن يلقى جواباً نهائياً. إنه سؤال يجدر أن نستمر بطرحه على أنفسنا، على أمل أن يأتي يوم يصبح فيه هذا النوع من المأساة شيئاً من الماضي.
هل نجحت محاولات ياسميلا لإدراك أهوال الحرب؟ ترد ياسميلا قائلة: “الحرب ليست عبارة عن شعور واحد فقط. ساعدني العمل في المشروع على الابصار والتعامل مع عواطفي الدفينة، لذلك فإنه ساعدني كثيراً. حين سيشهد عرضه الأول في البوسنة، سيكون محلّ جدلٍ في مجتمعنا، لا سيما أن الناس لا يتحدثون بانفتاح عن تلك الأيام. أشعر أنه سيكون بالغ الأهمية من تلك النواحي أن نتمكن من إدراك البلد الذي نعيش فيه، والسبب الذي يدفعنا إلى التصرّف كذلك. كانت رحلة استشفاء حقيقية بالنسبة لي”.
ساهمت مؤسسة الدوحة للأفلام بتمويل فيلم “لمن لا يستطيعون إخبار القصص“، وهو يشهد حالياً عرضه العالمي الأول في مهرجان تورونتو السينمائي. سننشر محادثتنا مع ياسميلا وكيم بالتفصيل، على موقعنا الالكتروني قريباً.