أفلام الموكيومنتري
25 مارس 2013

Mockumentary: 'This Is Spinal Tap'
لا يمكن لأي دراسة عن الأفلام الوثائقية أن تكتمل من دون التطرق إلى أحد أنماط هذه الأفلام وهو “موكيومنتري” أو كما يعبر عنها أحياناً بأفلام “السخرية الوثائقية”.
في الأساس، الموكيومنتري هو فيلم خيالي أو فيلم تمثيلي، ينفذ بأسلوب الأفلام الوثائقية. بالرغم من كون الموكيومنتري كوميدي في أغلب الأخيان، لكن ليس بالضرورة أن يكون ساخراً، كما تعني عبارة “السخرية الوثائقية”. أحد النماذج القديمة المعروفة بهذا النوع هي النسخة الإذاعية لرواية “حرب العوالم” للكاتبة أتش جي ويلز والتي اعدتها للإذاعة على سي بي أس عام 1938 أورسن ويليس. مع ان هذه النسخة الإذاعبة لم تسبب الهستيريا الجماعية والإنتحار التي يتحدثون عنها، إلا انها ولدت الذعر والغضب، وكان لها تأثير واضح على الطريقة التي يمكن ان تروى بها القصص.
في المقابل، في عام 1953 استخدم برنامج التلفزيوني الأميركي “أنت هناك” نمط الأفلام الوثائقية لإشراك المشاهدين بالتاريخ، فعرض مقاطع من إعادة التمثيل كلقطات ومقابلات أرشيفية بينما لعب الممثلون دور الشخصيات التاريخية.
من المعتقد أن وودي ألن كان أول من استخدم السخرية الوثائقية كمحرك للكوميديا في فيلمه “خذ المال واهرب” عام 1968، والذي قدمه بأنه فيلم وثائقي حول مجرم غير كفؤ. بقي الأمر حتى عام 1984 ليحقق الموكيومنتري نجاحاً كبيراً على الشاشة الكبيرة، وكان ذلك مع فيلم “هذه هي سباينل تاب” للمخرج روب رينر، والذي ارتبط به اسم الموكيومنتري (أيضاَ “روكيومنتري”). الملخص: صانع الفيلم (رينر) المعجب بمجموعة الروك البريطانية (خيالية) سباينل تاب يرافق الفرقة في جولة ليصنع فيلماً عنها، فيواجه كارثة بعد كارثة. حصل هذا الفيلم على تصنيف 95% على روتن توماتوز، واعتبر رائعاً من حيث قيمته الثقافية والتاريخية والجمالية من قبل مكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة، واختير للحفظ من قبل مكتب تسجيل الأفلام الوطنية في الولايات المتحدة.
منذ “سباينل تاب” أصبح الموكيومنتري عرضاً كوميدياً ثابتاً، والأمثلة الواضحة من الأفلام (وأكثرها هزلية) هي “انتظار غوفمان” (1966) ، “الأفضل في العرض” (2000) و “لاعتبارك” (2006) للمخرج لكريستوفر غست. منذ بداية الألفية، حققت أفلام الموكيومنتري نجاحاً رئيسياً على التلفزيون من خلال موجة من العروض التلفزيونية الكوميدية منها “المكتب“، “ “مشروع موقوف“، “رينو 911” و “حدائق ومنتزهات”.
في عام 1999، شهد الموكيومنتري مرحلة مفصلية مع اكتشاف لقطات “ بلير ويتش بروجكت”. استقطبت حملة التسويق العالية الإقناع على الإنترنت عشرات آلاف المشاهدين إلى السينما لرؤية ما يعتقدون أنها لقطات مرممة صورت من قبل طلاب سينما اختفوا بينما كانوا يصنعون فيلماً وثائقياً عن أسطورة محلية. (من المثير أنه، بعد ست عقود من خدعة ويليس على الراديو، لا زال بالإمكان قيادة الجمهور عبر تلاعب بسيطة في وسائل الإعلام).
استخدم نمط الموكيومنتري أيضاً في مناسبات لعرض نقد جدي لعالمنا بطريقة ساخرة ولكن حادة الذكاء تبني جسراً مهماً بين الحقيقة والخيال. طلاب أفلام بلجيكيين ريمي بلفو، اندريه بونزل، بنوا بولفودر صنعوا فيلم “رجل يعض كلباً” (1992)، على سبيل المثال، يضم طاقم فيلم يوثق أفعال قاتل متسلسل، حيث يواصل انغماسه بالقتل دون أي تدخل من قبل طاقم الفيلم وهم يواصلون تصويره، وبالتالي يعتبر الجمهور هؤلاء متورطين في تشجيع العنف والجريمة والتعذيب.
يوفر هذا النمط وسيلة لصنع مواضيع صعبة أو حتى ممنوعة وجعلها متاحة للجمهور. فيلم “المقاطعة 9” (2009) للمخرج نيل بلومكامب حالة ساحرة، حيث يستخدم أساليب مختلفة من التوثيق، إلى جانب الرسوم المعالجة بالكمبيوتر لإخبار قصة عن مجموعة كبيرة من المخلوقات الفضائية تخلى بالقوى من حي فقير في جوهانسبرغ بعد أن احتجزوا منذ وصول سفينتهم الفضائية إلى المدينة 1982. بعد تكشف فكرة الفيلم، يظهر بالطبع المفهوم الحقيقي له وهو نقد سياسات التمييز العنصري الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. فالأحداث في فيلم “المقاطعة 9” تقدم بطريقة مجازية لتعبر عن المعاملة التي تعرض لها شعب كيب تاون الحقيقي في المقاطعة 6 في السبعينات خلال عهد الأبارتهايد.
تحت هذا المرح، لدى فيلم “هذه هي سباينال تاب” الكثير ليقوله عن الجنون ودخول ثقافة الروك، بينما يسأل فيلم “رجل يعض كلب” عن السلوكيات المعتادة تجاه العنف، في حين يعيد فيلم “المقاطعة 9” إخبار حلقة رهيبة من التاريخ الحديث. هذه هي المواضيع التي لا يعتبرها الكثير منا تعليمية كما في الأفلام الوثائقية المباشرة. لكن عند عرضها في نمط الموكيومنتري، تبدو ممتعة ومستساغة وبكلمة واحدة: مسلية. وربما نستطيع القول بأن هذه الأفلام تقدم حقائق أكثر من تلك الوثائقية المباشرة.