نقد سينمائي: دانسر إن ذا دارك (راقصة في الظلام) 2000
24 يوليو 2011

بقلم ريم صالح، قسم الاعلام الجديد، مؤسسة الدوحة للأفلام
الفيلم: دانسر إن ذا دارك (راقصة في الظلام)
العام:2000
إخراج: لارس فون ترييه
بطولة: بيورغ، كاثرين دونوف، دايفيد مورس
النوع: دراما، غنائي
إنه العام 1964، وسلمى المهاجرة القادمة من أوروبا الشرقية، تعمل بكثير من البذل والتفاني في معمل بالولايات المتحدة. فهي تدّخر المال لدفع تكاليف عملية جراحية يجب أن يخضع لها ولدها قبل بلوغه سن الثالثة عشرة، وإلا أدى به مرضه الوراثي إلى فقدان البصر. إنها تعاني المرض ذاته الذي يذهب ببصرها شيئاً فشيئاً. ثم تكتشف سلمى سرقة كل المال الذي عملت جاهدةً لكسبه. ثم تتوالى الأحداث الكئيبة والمأساوية على تلك الامرأة مفرطة الحساسية، التي لا يهمها شيء أكثر من خضوع ابنها للعملية الجراحية. لكن حين تسوء الأمور كثيراً، تلجأ سلمى لأحلام اليقظة وتتخيّل نفسها في فيلم غنائي، حيث أنه في الأفلام الغنائية، كما تعتقد، “لا تحدث أمور سيئة”.
يأتينا هذا الفيلم المؤثر من المخرج الدانماركي لارس فون ترييه، محاطاً بهالة الدوغمائية التي يتميّز بها ويجيدها بامتياز. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، لا سيما حين نعلم أنه أحد من شارك في صياغة بيان دوغما 95 manifesto، التي أنتجت حركة سينمائية مضادة، في مواجهة الأفلام ذات الميزانيات الضخمة. والغرض من هذا الموقف، الذي يحتوي على تلميح انتقادي لهوليوود يشتهر به فون ترييه، هو ‘تنقية’ السينما من المؤثرات الخاصة والتقنيات باهظة الثمن، لكي يٌفسج المجال واسعاً أمام صناع الأفلام، للتركيز على الدراما والتمثيل.
غير أن فيلم ‘راقصة في الظلام’ ليس كثير الاخلاص لدوغما 95، ففيه تم خرق قواعد هذا البيان في مناسبات عدة، لا سيما فيما يخص استعمال الكاميرات الثابتة، وتقنية تحسين الألوان. ولجأ فون ترييه إلى استخدام طرقٍ متنوعة ساعدت في ابتكار مزاجيْن في الفيلم: الواقع المرير الذي تعيش فيه سلمى، وعالمها الخيالي.
تم تصوير هذا الفيلم بمعدّات زهيدة الثمن، بواسطة مائة كاميرا رقمية، على شاكلة أساليب الأفلام الوثائقية. وقد لجأ فون ترييه إلى هذا الأسلوب من أجل مضاعفة شعور الألفة على الشاشة، فاستخدم الكثير من الكاميرا المحمولة باليد، والتصوير عن قرب، دافعاً بالمشاهد للغوص في أعماق الأحداث، ومصوّراً الانفعالات القوية بطريقة بدت معها واقعية بامتياز. وبفضل هذا العدد الكبير من الكاميرات، أُتيحت الفرصة للمثلين بالتركيز على أدوارهم من دون مقاطعة وإعادة، مما سمح بتطوّر مشاعرهم على طول الفيلم.
بإمكانكم ملاحظة ذلك بوضوح حين تدفع كاثي (كاترين دونوف) بيديها إلى وجهها لتكبت صرخةً، حينما ترى سلمى التي أوشكت على فقدان بصرها بالكامل، وهي تهتدي بسكة الحديد إلى طريق بيتها، كما يظهر ذلك بوضوح في كل تعابير وجه سلمى حين تكون حزينة أو حالمة.
إن هذا الفيلم مؤثر ومحزن جداً، تماماً كما هو واقع سلمى، مفرطة البراءة، غير الأنانية والطيبة. وتواجه هذه الشخصية المزيد من المآسي، حين تتعرّض لأكبر حظ تاعس يمكن أن يلمّ بأي إنسان، من الحياة في الفقر وأصعب الظروف – لسخرية القدر، على أرض أحلامها- وإلى شغفها بالأفلام الغنائية، التي تمثل أميركا في أفضل حلّتها. وتتوقع سلمى أن تعيش في الأغاني التي ظهرت فجأة، والمليئة براقصي التاب دانس (الرقص بالأرجل) والطبول- تماماً كالأفلام التي نشأت على مشاهدتها. لسوء الحظ، هذا العالم الخيالي لا يمكن الوصول إليه إلا في الأحلام.
ويضعنا ذلك وجهاً لوجه مع الأسلوب المعاكس الذي استخدم في الفيلم، وهو أسلوب الألوان المشرقة والكاميرات الثابتة التي وُظفت على وجه التحديد في الوصلات الغنائية لأحلام يقظة سلمى. فجأة، وعبر الأصوات التي تسمعها من حولها، كصوت المصنع أو صوت القطار، تهرب سلمى لتصبح جزءاً من الرؤية التي ابتكرتها لنفسها. من الناحية الجمالية، تصبح تحركات الكاميرا والمشاهد أكثر براعة، وتتحسن ديباجة الألوان، ثم تتحول الأصوات التي تصدر من المحيط الذي هي فيه، شيئاً فشيئاً إلى موسيقى. هذه الموسيقى لا تظهر إلا حين تهرب من الواقع.
هذا الفيلم – الذي يمكن أن تعشقونه أو تكرهونه- أغرقني في رحلة مزعجة وممتعة في آن. أعترف بأنني بكيت لوقت طويل بعد مشاهدته، لذا كونوا مستعدين! إنه فيلم مستفز عاطفياً، ذكي وفريد من نوعه. إنه من النوع الذي يصل مباشرة إلى أعماق قلوبكم، إن كانت بالطبع قادرة على تحمّل هذا النوع من الميلودراما العنيفة.
هذا الفيلم الذي فاز بجائزة السعفة الذهبية (بالم دور)، وجائزة أفضل ممثلة للفنانة بيورغ عام 2000، هو على لائحتبي لأفضل الأفلام التي تم إنتاجها في التاريخ.
إن أداء بيورغ في التمثيل هو مميز تماماً كغنائها. براءتها، تقاسيمها، تعابيرها وغناؤها الرقيق، يجعل من المستحيل على المشاهد ألا يتأثر. إنه حتماً دور من العمر، لم يكن ليتم أداؤه بشكل أفضل من قبل أي ممثلة أخرى. كذلك الأمر بالنسبة لكاثي، الذي تؤدي دورها الفنانة الفرنسية كاترين دونوف، وهي صديقة سلمى المقربة في الفيلم، وزميلتها في العمل، ومن تقف بجانبها وتساندها أثناء الظروف الصعبة التي تمر بها. وكم ستشعرون بالدفء تذهب سلمى الضريرة إلى السينما لتشاهد فيلماً غنائياً، تمسكها كاثي من يدها، مقلّدةً الرقص النقري الذي يدور على الشاشة بأصابعها، كي تتمكن سلمى من تصوّر هذه المشاهد والشعور بها. بين هاتين الامرأتين جاذبية قوية، شبيهة بعلاقة الأم بابنتها، حيث أن حضور كاثي يؤمن لسلمى الوحيدة الشعور بالراحة والحنان. إن الأمر بغاية الواقعية، ولن تتمكنوا أبداً من الاحساس بأنهما تمثلان.
والجدير ذكره أن أغاني الفيلم ألفتها بيورغ نفسها، وبعض الكلمات كتبها فون ترييه بنفسه، فظهر بذلك مزيج من المواهب الاستثنائية لفنانيْن مميزين. ولا يقتصر الأمر على روعة الموسيقى، لكن كلمات الأغنيات تظهر طبع سلمى التي تتألم دون أن تبوح بكلمة، حين تغني بينما تفقد بصرها: “لقد رأيت الكثير، لم يتبق شيء لأراه”.
هذا الفيلم هو إنجاز السينما الحديثة، على الرغم من الآراء المتضاربة حول هذا النوع من السينما. لكن مهما كانت آراؤكم به، أضمن لكم اختبار مزيج من الأحاسيس النادرة جداً.
Dancer in the Dark - Trailer
إعلان فيلم راقصة في الظلام