المدوّنة

العودة الى القائمة

نقد سينمائي: حتى انقطاع النفس

04 فبراير 2013

بقلم ألكسندر وود_
ترجمة: عروبة حسين

على أنغام موسيقى الجاز التي نسمعها طوال الفيلم، يقوم رجل عصابة باريسي بإشعال أولى سيجاراته وارتكاب أول فعل إجرامي له في الفيلم وهو سرقة سيارة سائح مسكين. وبينما يقود السيارة المسروقة بسرعة، يكتشف مسدساً مخبئاً في جيب السيارة، ما يسمح له بالهروب من الشرطة، ليصبح رجلاً مطلوباً من العدالة. ووسط حياته التي يؤرقها الفرار الدائم، ينجح ميشال بواكار (جان بول بيلموندو) بإغراء النساء بسحره، والافتتان بإحداهن، وهي باتريسيا فرانشيني (جان سيبيرغ) صحافية صاعدة من نيويورك. تنشأ قصة حب غير عادية بين الاثنين في شوارع مدينة باريس الرائعة في الظاهر ولكن يشوبها في الحقيقة عالم من العنف والجريمة.

يكتسب الفيلم طابعه من الأطر الكلاسيكية وتقنية المونتاج الشهيرة: التلاشي بين المشاهد (ديسولف)، وطريقة تصوير وجوه الشخصيات عن قرب، وينتج عنه نوعية تصوير نظيفة ومؤثرة. بعد فترة قصيرة من سرقته للسيارة، نرى ميشال في الريف الفرنسي وهو متجه إلى مكان غير معروف. وبينما يناقش جمال المناظر الطبيعية مع نفسه، ينظر ميشال إلى الكاميرا ويقول “إذا لم تكن تحب البحر، ولا الجبال، ولا المدينة، فاغرب عن وجهي”. وهكذا، نعرف أن توجهه مباشرةً بالحديث إلى الكاميرا، معناها اعترافه بوجود الجمهور. إن كسر الحاجز بين الممثل والجمهور أو ما يسمى الجدار الرابع، هو تقنية مستخدمة أكثر في الأفلام الحديثة مثل إجازة فيريس بيولر ، و هاي فيدليتي و لبوفسكي الكبير و نادي القتال. ومن خلال التعبير عن إدراك وجود الجمهور، تبطل واقعية العالم الذي يحاول الفيلم تصويره.

ولا بد من أن استخدام هذه التقنية مبرّر في الفيلم، لا سيما أن باتريسيا تعيش حالةً من الشكّ في واقعها الخاص وهدفها في الحياة وحبها. هذا الطبع الوجودي بامتياز يظهر في حيرتها التي تقابل فيها العالم السخيف ظاهرياً، وفي بقائها مع ميشال أو تركه. في أحد المشاهد تقول: “أريد أن أفكّر بشيء، لكن يبدو أني غير قادرة على ذلك“، مما يلقي الضوء على سعيها إلى فهم العالم من حولها والتواصل معه.
قام الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بوضع أسس ما يُعرف بالوجودية، فقد كان يؤمن بأن لا وجود للخير والشر، بل آمن أن ما يحدث- يحدث. طريقة التفكير هذه تناسب ميشال، لا سيما بالنسبة لسهولة إقدامه على قتل شرطي وسرقة أموال الناس. وما يميّز العلاقة بين ميشال وباتريسيا هو تلاشي ملامح الخير والشر، والأنا والآخر. وهذا يساعدهما على الاستمرار سوياً في هذه العلاقة الغريبة والوجودية.
أما العنصر الآخر للوجودية التي تكلم عنها سارتر، فهو قوله إن الناس قادرين على ابتكار قيمهم الخاصة وتفسيرهم لمعنى الحياة. ميشال أفضل مثال على ذلك، فهو ألّف مبادئه الأخلاقية الخاصة والقصة التي تتلاءم مع كل سيارة يقوم بسرقتها.
يكتسب كل فيلم معنىً من خلال الربط ما بين المشاهد لبلورة القصة وسردها. وطوال مدة هذا الفيلم، نجد أن المخرج يلجأ كثيراً للمشهد المقطوع إلى نصفين على الشاشة والمأخوذ من زوايا مختلفة أو ما يعرف بتقنية “الجامب كت“، مما يولّد شعوراً بتقطّع الوقت. نرى مثلاً هذه الطريقة في المونتاج حين يقوم ميشال بتهنئة باتريسيا في السيارة، وتقوم الكاميرا بتصوير حديثهما من زوايا متعددة. هذه التقنية تسمح بظهور تفسيرات عديدة للموضوع الواحد، مما يتيح أيضاً للمشاهد أن يفسّر كل مشهد كما يحلو له. وهكذا نرى أن الفيلم، وكما في الوجودية التي ألفها سارتر، يتيح للمشاهد فرصة إيجاد تفسيره الخاص للعالم الذي يحيط به.

عنصر إخراجي آخر يضيف إلى نظرة المشاهد للواقع المصوّر في الفيلم وهو تقنية “آيرس” للتلاشي: وهو نوع من الانتقال بين المشهد والآخر، نرى فيه الأول يتلاشى إلى السواد وكأن الجمهور يقوم بإغلاق عينية. مرة أخرى نجد أن هذه التقنية تبطل الشعور بواقعية الفيلم من خلال تذكير المشاهد بأنه في الحقيقة يشاهد فيلماً.
وعلى الرغم من العناصر العديدة التي تزيد من جمالية التصوير، تبقى العلاقة التي تربط ما بين ميشال وباتريسيا فريدة من نوعها. هما في صراع مستمرّ بين أفكار الحب والعاطفة. المجاملات التي يقوم بها ميشال تصاحبها دائماً إهانات ساخرة ورجاءه لأن ترافقه باتريسيا إلى إيطاليا. يمزحان دائماً مع بعضهما ويتساءلان عما إذا كانا يحبان بعضهما فعلياً، بالاضافة إلى حياتهما سوياً، وما إذا كانا سيرحلان من فرنسا لبدء حياة جديدة. في بدايات الفيلم، تقول باتريسيا إنها تريد أن يشبها روميو وجولييت، بالطبع ميشال يرفض هذا الموضوع ويستمرّ في محاولات تملّقه النساء. لكن ما لا يعرفه ميشال هو أن التعبير عن هذه الرغبة ترسم خطوط نهاية علاقتهما.
بعد فراره من الشرطة، وتمكنه من إقناع باتريسيا بحبه والحصول على المال الكافي لهربه إلى إيطاليا، يخال لنا أن الحبيبين سيعيشان سعيدين إلى الأبد، لكن هذا ليس صحيحاً. في النهاية، وبعد أن تدرك باتريسيا حبها لميشال، تتصل بالشرطة لتتأكد من انفصالهما عن بعضهما. أما النتيجة فهي شبيهة بالنهاية المأساوية لرواية شكسبير الشهيرة، حيث يموت ميشال في الشارع بسبب حبه لباتريسيا ورصاصة أصيب بها. في المشهد الأخير، نرى باتريسيا تنظر مباشرة إلى الكاميرا، وهي تقلّد طريقة ميشال في مداعبة شفته، ثم تبتعد عن الكاميرا وينتهي الفيلم في هذه اللحظة.
منذ المشهد الأول وحتى الأخير في الفيلم، تفرد التراجيديا والفكاهة جناحيهما على هذين الحبيبين، وتقدّم قصة حب جديدة من نوعها للمشاهد؛ قصة حب تعيش وتموت في فوضى عارمة.

blog comments powered by Disqus