نقد سينمائي: سلّة الغداء
22 مايو 2013

بقلم ريم صالح
قصة نجاح أخرى نرويها لكم من أروقة مؤسسة الدوحة للأفلام. قصة مشروع بدأت بشائرها في مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي في نسخته الثانية عام 2010، ليتحوّل أمامنا مولوداً مكتملاً يخطو أولى خطواته في أسبوع النقّاد بمهرجان كان السينمائي.
الكثير منكم تعرّف على المخرج ريتش باترا الذي سبق له وأن عمل ضمن فريق التعليم بمؤسسة الدوحة للأفلام، وقاد العديد من الورشات السينمائية. عرض باترا مشروعه عام 2010 خلال مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي في إحدى الجلسات مع المموّلين السينمائيين، وكانت ردود الفعل إيجابية جداً تجاه هذا المشروع. وفي ذاكرتنا نحن في المؤسسة، بقيت الطريقة التي قدّم فيها باترا لمشروع فيلمه وروج له، حاضرة بقوة. والآن أخيراً بعد ثلاث سنوات، تسنّت لنا مشاهدة هذا الفيلم الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر.
في ذلك الوقت أخبرنا باترا في حوار أجريناه معه عن فيلمه، قائلاً: “تتوطّد علاقة ما بين ربة منزل ورجل مسنّ بعد حدوث خطأ في تسليم وجبة غداء إلى العنوان المناسب، ويبدأ الاثنان بتبادل الرسائل في سلّة الغداء. إنها قصة أرواحٍ هائمة ما بين الواقع والخيال، وكيف يمكن للخيال أن يكون ملموساً جداً”.
وفي الحقيقة فيلم “سلّة الغداء” (ذا لانش بوكس) يأخذنا عبر عبق ونكهة الطعام في تلك السلّة، إلى عمق تلك العلاقة البريئة التي تنشأ بين ربة المنزل والرجل المسنّ.
يبدأ كل ذلك مع ربة المنزل إيا (نمرت كور) التي تعاني من إهمال زوجها لها. وهي تحاول كسر الجليد بينهما عبر إعداد أشهى الأطعمة وإرسالها له مع صبي توصيل سلاّت الغداء. في تلك الأثناء، يعيش رجل أرمل وحيد يدعى ساجان فرنانديز (عرفان خان) حياةً نسي فيها طعم الابتسام. إنه يعيش تلك الحياة المبالغة في التنظيم، التي فرضتها عليه وظيفته كمدير عمليات مالية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وعن طريق الخطأ، يلتهم ساجان أشهى وجبة غداء حصل عليها منذ فترة. أما إيا فتتفاجأ بعودة السلّة فارغة تماماً على غير عادتها. وهكذا تستمرّ بطهو الطعام للرجل الغريب الذي يبدو وأنه قدّر جهودها بشكل لافت. تتطوّر العلاقة شيئاً فشيئاً، إذ يبدأ الاثنان بتبادل الرسائل في سلاّت الغداء. ثم تتحوّل هذه الرسائل إلى إدمان حقيقي لكليهما، بعد أن تحرّك مشاعر مفقودة عند كلّ من الطرفيْن.
حين تشاهد الفيلم، تشعر أن سلّة الغداء نفسها شخصية صامتة تشاركهما البطولة. فهي التي تحمل المفاجآت لكليهما. وبعد أن تعدّ إيا الطعام بكل عناية وحب، يصل إلى ساجان الذي يتعامل معه بأسلوب جد مميّز. فهو لا يعمد إلى تناوله مباشرةً، بل يأخذ وقته في تذوّقه، متأنّياً بشكل كبير، متلذذاً بكل قضمة.
تتحوّل هذه الصدفة إلى علاقةٍ علاجية يعثر فيها الاثنان على أولويات حياتهما مجدّداً.
يمتعنا الفيلم بكل مشاهده، حتى في الرحلة التي يأخذنا عبرها في أرجاء مدينة مومباي، أثناء تصوير انتقال سلّة الغداء فيما بينهما. كما أن أداء الممثلين خان وكور يسحرنا منذ اللحظة الأولى. بالطبع سعدنا جداً حين تلقّى الفيلم تصفيقاً حاراً ووقف الجمهور احتراماً بعد الانتهاء من عرضه. الفيلم مرشّح لجائزة الكاميرا الذهبية التي يمنحها المهرجان لأفضل تجربة روائية أولى لمخرج. ستصلنا أخبار بهذا الشأن مع نهاية هذا الأسبوع.