المدوّنة

العودة الى القائمة

عباس كياروستامي: "عشرة على عشرة".

26 أغسطس 2013

Scene from the film '10 on Ten'.

كل محبي أعمال المخرج الايراني الكبير عباس كياروستامي، سيتمكّنون من قضاء أسبوع ساحر، سنعرض خلاله مجموعة من أبرز أفلامه في متحف الفن الاسلامي من 13 إلى 21 سبتمبر. أما كل من لم يتعرّف بعد على هذا المخرج العملاق، فسيخوض في تجربةٍ مذهلة لم يسبق لها مثيل. ولأن برنامج الأفلام الذي سنقدّمه، لا يضم مجموعة أعماله كاملةً، سنتحدّث بموازاتها عن بعض الأفلام التي لم تشملها، لمزيد من الاضاءة على إبداع هذا الفنان.

يستطلعنا فيلم “عشرة على عشرة” الذي لم نجد أفضل من أن نبدأ به، وهو من إنتاج العام 2004، حيث يتحدّث فيه كياروستامي عمّا يمكن أن يعتبر سلسلة من العبر التي استخلصها بنفسه حول كيفية صناعة الأفلام.

هذا الفيلم يستكمل ما بدأه كياروستامي في فيلمه “عشرة” عام 2002، في عشرة أجزاء (عنوان الفيلم مستمد من ذلك). وفي كل جزء، يشرّح المخرج مقاربته لمختلف عناصر صناعة الأفلام، متطرّقاً إلى الكاميرا، والصوت والموسيقى والممثلين ومواقع التصوير، وغير ذلك.

وعبر الفيلم، يتوجّه كياروستامي إلى كاميرا ثابتة، بينما يقود السيارة في أنحاء أطراف مدينة طهران- وهي طريقة نراها في العديد من أفلامه، منها “طعم الكرز” (1997)، “الريح ستحملنا” (1999) و“نسخة طبق الأصل” (2010)، بالاضافة إلى فيلم “عشرة”.

نراه يتحدّث في الفيلم بطريقة طبيعية، خالية من أي تكلّف، تؤثّر في المشاهد، بينما يستمع إليه عن أسباب الحرية المطلقة في عملية استخدام الكاميرا الرقميّة. فيعلّق قائلاً إنها “ تُسقط كل الضوابط التي وضعتها الشركات السينمائية الضخمة، كضرورة تلقي التدريب العملي أو التعامل مع كبار المستثمرين، للتمكّن من صناعة فيلم”. ويفسّر لجوءه إلى غير الممثلين المحترفين في أعماله قائلاً “الأناس العاديون أفضل بكثير في التمثيل“؛ ويقول إن استخدامه للموسيقى اضمحلّ في أعماله لأن لها وقعاً عاطفيا قوياً قد يدفع إلى المبالغة في استخدامها، ما يؤدي إلى المبالغة في توجيه ردة الفعل العاطفية للجمهور”.

وهكذا تتوضّح أمامنا فلسفة المخرج السينمائية. وربما أبرز مقترحاته، بالنظر إلى طبيعة أسلوبه، هي تلك الأفكار التي يعبّر فيها عن رأيه بالطريقة التي يجب أن ينغمس فيها الجمهور في أفلامه. إنه لا يفضّل أن يحتجز المشاهد رهينةً، كما تفعل الأفلام الهوليوودية الضخمة برأيه. إن كياروستامي يفضّل عن تكون تجربة مشاهدة أعماله، همّاً مشتركاً بين المخرج والمشاهد. فبدل من إمدادنا كل شيء بالملعقة، يريد منا كمشاهدين أن نُعمل القصة في رؤوسنا، بناءً على تجاربنا الخاصة في الحياة.

من المذهل معرفة أن كياروستامي لم يتلقّ أي تدريب سينمائي، لكنه تمكّن من ابتكار أسلوب سينمائي مميّز اجتذب عشّاق السينما حول العالم على مدى 40 عاماً. كما شكّل مصدر وحي للكثير من المخرجين ودفعهم للخوض في المخاطر، ومعالجة مختلف القضايا والقصص بطريقة شخصية أكثر وأقلّ تجارية.

نحب أن نلفت الأنظار إلى أن الفيلم هذا لا يتوقّف عند الجدّية. لا بد أن تعرفوا أن كياروستامي يمكن أن يكون فكاهياً وكوميدياً إلى أبعد ما يمكن أن يتصوّره العقل. من الممتع الجلوس والاستماع إليه وهو يتحدّث عن السبب الذي يجعل من التصوير من المقعد الأمامي للسيارة هو بقعته المفضّلة. وبعد كل نظرياته الفلسفية وشرحه لأعماله، يقاطع نفسه بطريقة ساخرة ولطيفة، ليقول لنا أن كل ما أشار إليه، ليس سوى طريقته الخاصة في صناعة الأفلام. ويقول إن على طلّاب السينما الذين يريدون أن يصبحوا مخرجين ناجحين، بإمكانهم تكرار النموذج الهوليوودي. ثم، وفي لحظة ساخرة، يترجّل من السيارة و… دعونا لا نفسد عليكم المفاجأة. حقاً، عليكم بمشاهدته.

blog comments powered by Disqus