هاياو ميازاكي: مسيرة مذهلة في عالم الأنيمي
25 نوفمبر 2013

“أن تولد يعني أن ترتبط بعصر، ومكان وحياة. يعني أن تخسر كل احتمالات الشخصيات الأخرى التي لا تُحصى وكان يمكن أن تكونها. ليس هناك مجال للعودة، وأعتقد أنه لهذه الأسباب تحديداً، يمثّل عالم الكارتون الساحر آمالنا ورغباتنا. إنه يمثّل عالم الاحتمالات الضائعة بالنسبة إلينا”. – هاياو ميازاكي
في 1 سبتمبر 2013، وخلال العرض الأول لآخر أفلامه المذهلة في مهرجان البندقية السينمائي، أعلن هاياو ميازاكي – الأشهر في عالم فن الأنيمي- أن فيلم “وتهب الريح”: سيكون آخر فيلم روائي له.
وقع هذا الخبر كالصاعقة على عشّاق الأنيمي.
إن كنت مطلعاً على أعماله، سوف تدرك السبب، وتشعر بالصدمة مثلهم. وإن كنت غير محيط بما قدّمه هذا المخرج الكبير، فعليك ألا تفوّت الفرصة الرائعة لرؤية أول وآخر أعمال الأنيمي لميازاكي التي ستعرض من بين أفلام “الأنيمي قلب المهرجان”: في مهرجان أجيال السينمائي.
ولد ميازاكي في طوكيو عام 1941، وبدأ العمل مع شركة توي للرسوم المتحركة عام 1963. عمل على أعمال كارتونية كلاسيكية يابانية منها “حورس: أمير الشمس”. في هذا الفيلم الذي نعرضه أيضاً في مهرجان أجيال السينمائي، لعب ميازاكي دوراً هاماً، فكان مدير فريق التحريك، والفنان التصوري، ومصمّم المشاهد. وقد طبع هذا الفيلم التعاون الأول ما بين ميازاكي والمخرج إيزاو تاكاهاتا، الذي أدّى لاحقاً لتأسيس استديوهات جيبلي الأسطورية.
خاض ميازاكي تجربته الاخراجية الأولى عام 1979، حين عُرض عليه تصوير فيلم “لوبن الثالث: قلعة كاليوسترو“، الفيلم الثاني المقتبس عن سلسلة المانغا “لكمة القرد“، والتي اقتُبس عنها أيضاً مسلسليْ أنيمي ناجحيْن. يعجّ هذا الفيلم بالفكاهة والفوضى، وهو يكشف عن معالم أسلوب ميازاكي الفذ – فهو متنبّه لأدق التفاصيل (فالمشاهد عبارة عن مزيج رائع من العمارة الكلاسيكية والعناصر عالية الحداثة والتكنولوجيا)، ولديه ميل فريد تجاه الخدع والحركات الجريئة (أسلحة سرية، أقبية غامضة، والمجرمين ذوي المخالب، على نسق النينجا). وهو يلجأ لاستخدام الكاميرا من زويا غريبة ومفاجئة، لا سيما في مشاهد مطاردات السيارات التي تشارك فيها سيارات لوبن الشهيرة “فيات 500”.
تطرّق ميازاكي في فيلمه الثاني “ناوسيكا أميرة وادي الرياح” عام 1984 إلى الكثير من القضايا التي سوف تظهر لاحقاً في أعماله الأخرى، مثل المشاكل البيئية، وعشقه للطائرات والطيران، ومواضيع أخرى كنبذ العنف ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.
وقد قُدّر للأفلام التي تلت النجاح التجاري السريع والتنويه، وهي تعتبر في أيامنا إنجازات تحسب للسينما اليابانية، ومنها: “قلعة في السماء” (1986) الذي يروي مغامرة يتيميْن يبحثان عن جزيرة فيها قصر سحري، تطفو في السماء؛ و“جاري توتورو” (1988)، وهو قصة مؤثرة جداً عن أختيْن تنتظران عودة والدتهما المريضة من المستشفى، وأثناء هذا الانتظار تصادقان الأرواح التي تعيش في الغابة؛ وفيلم “بوركو روسو” (1992) الذي يبرز مرة أخرى عشق ميازاكي للطائرات، ويروي المغامرات غير العادية لقبطان طائرة في إيطاليا في الثلاثينات، شارك في الحرب العالمية الأولى، وهو مصاب بلعنة حوّلته إلى خنزير.
كان فيلمه “الأميرة مونونوكي” (1997) عمل الأنيمي الأول الذي يفوز بجائزة “فيلم العام” في حفل الأوسكار الياباني، والفيلم الذي حقّق أعلى إرادات في التاريخ – أقله لبضعة أشهر، حتى تفوّق عليه فيلم “تايتانيك” للمخرج جيمس كاميرون. ثم تمكّن ميازاكي من التفوّق على فيلم تايتانيك بعد أربعة أعوام، مع فيلم “المخطوفة” (2001)، الذي كان عمل الأنيمي الأول الذي يفوز بجائزة أوسكار، والدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي، إلى جانب العديد من الجوائز العالمية الأخرة.
وتوالت أفلام هامة أخرى، منها “قلعة هاول المتحركة”: (2004) و “بونيو”: (2008) و“تهب الريح”: الذي يفتتح مهرجان أجيال السينمائي والذي يختتم به ميازاكي مسيرته الفنية الحافلة. ويزخم هذا العمل بقناعاته وبالقضايا التي عالجها في أفلامه السابقة، منها عشقه للطائرات، ورفضه للحروب، وأمور أخرى عبّر عنها في صور مذهلة عن الطيران وأهوال الدمار.
لقد صرّح ميازاكي ذات مرة قائلاً: “أنا شخصياً متشائم“، وأضاف: “لكن حين أرى أحد أفراد فريق عملي يُرزَق بطفل، لا أستطيع إلا أن أتمنى له مستقبلاً جيداً. لا أستطيع أن أقول لهذا الطفل: “أوه، لم يكن يجدر بك المجيء إلى هذه الحياة“، على الرغم من أني متيقن من أن هذا العالم يتجه في المسار الخاطئ. ومع كل تلك الأفكار المتضاربة في رأسي، أفكّر بنوع الأفلام التي يجب أن أصنعها”.
لنأمل أن يغيّر رأيه ويستمر في صناعة الأفلام.