المدوّنة

العودة الى القائمة

نقد سينمائي: اركضي لولا، اركضي

06 يناير 2013

بقلم ألكسندر وود

التاريخ قائم على التسلسل الزمني للأحداث، التي يشكل تراكمها رواية كلاسيكية يمكن توقع نتائجها باستمرار. ولهذا نجد فيلم “اركضي لولا، اركضي” للمخرج توم تايكر مليئاً بفترات الوقت المتقطعة التي توفر فرصة للتجارب والممرات والروايات الجديدة. يختبر المشاهدون الفيلم من خلال الحركة المتواصلة للولا (فرانكا بوتينتي) لتكتشف كيف يمكن للمصادفات الصغيرة أن تغير المستقبل تدريجياً.

قبل ظهور أي صور على الشاشة، يبدأ الفيلم بصوت صادر عن عقارب الساعة لتجذب انتباه المشاهد، في لفتة تؤكد أهمية الوقت في عمل تايكر. بعد هذه الأصوات تظهر صور لساعة يتحرك رقاصها إلى الامام والوراء في إيقاع يحمل المشاهد ليعيش لحظات قلقة مع نبض وإيقاع وزمن الفيلم. وأخيراً، تفتح الساعة بابها لتدخل المشاهد في الفيلم، بالطريقة نفسها التي تبدأ فيها لولا رحلتها لقطع الوقت وإنقاذ حبيبها ماني (مورتيز بليبترو).

يضمن استخدام تايكر لصوت الساعة قبل بدء الفيلم إدراك المشاهد للزمن الذي تدور فيه أحداث الفيلم، في الوقت الذي يلمّح فيه بذكاء للتجربة الخارجية لوقت المشاهد للفيلم. إن العلاقة بين الوقت الداخلي (الذي يعرض في الفيلم) والوقت الخارجي (الذي يعيشه المشاهدون) مهمة جداً لفهم الرحلات الثلاث المختلفة للولا.

تزور لولا والدها في الرحلة الاولى لتنقذ ماني، وتصرخ باستمرار لدرجة تحطّم الساعة في مكتب والدها وتدمر القوانين المرسومة للتسلسل الزمني في الفيلم. من هذه النقطة وما بعدها، يصبح الزمن أوقاتاص منفصلة عن بعضها. يبدو للمشاهد بأن الفيلم إعادة مستمرة للحظات، وان كل مقطع من الفيلم يعود إلى النقطة نفسها. يستقبل الجمهور الواقع بتسلسل زمني، بعد الأحداث التي تبدأ من منزل لولا إلى البنك، ثم إلى زاوية الشارع حيث تقرر نهاية القصة. التاريخ، الدين، الحياة والموت جميعها تحدد من خلال حركة تسلسل الزمن العادية (البداية، الوسط والنهاية) التي تظهر في الفيلم، لكنها تهدم بقدرة لولا على تحطيم أو تغيير الزمن.

صراخ لولا هو الجوهر الرئيسي للفيلم، ولولا هذا الصراخ لما أمكن إيجاد الروايات والإحتمالات لرحلتها. الصراخ نوع من التعبير الداخلي يخرج فقط من مكان عميق عند الضرورة القصوى وحيث تفشل الكلمات في التعبير عن أهمية الحياة أو الموت. يوظف الصراخ أيضاً في القسم الأخير من الفيلم حيث تصرخ لولا للفوز بالمال الذي تحتاج لإنقاذ حياة ماني، فتحطم عندها بنجاح الوقت والتاريخ.

عندما تحطم لولا الوقت كل شيىء يصبح ممكناً: يمكن إعادة كتابة التاريخ أو تغييره أو تعديله. إن هذه القدرة على تغيير الماضي مثيرة للغاية باعتبار ان الذاكرة الجماعية الألمانية متعلقة بالهولوكوست أو المحرقة. كان تايكر جزءاً من موجة جديدة من صانعي الأفلام الألمان في ألمانيا في ذلك الوقت، وفيلمه الذي يعيد الوقت وإعادة تصور التاريخ يمكن أن يشاهد بطريقة وكأنه يتعامل مع التجربة الجماعية للهولوكوست منذ عقود عدّة. الطبل الحديدي فيلم متسوحى من رواية شهيرة للكاتب غاتنر غراس والتي تعكس منظور الشاب الألماني أوسكار خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يملك أيضاً القدرة على الصراخ لتحطيم الوقت ويوقف نفسه عن النمو. هذه الإشارة إلى عمل غراس تؤدي لاستكشاف موضوع التاريخ والوقت والهولوكوست في فيلم تايكر.

يدخل المشاهد الصالة وهو يعرف بأن الساعات على الشاشة ستتحول إلى دقائق والدقائق ستصبح ساعات. في كل مرة تختبر لولا لحظة أو رحلة أو سقطة أو صرخة ما، يختبر المشاهد هذا الأمر في الواقع. يخلط تايكر وهم الوقت في الفيلم (يتأرجح صعوداً وهبوطاً) مع التسلسل الزمني الحقيقي من خلال تقسيم رحلة لولا إلى ثلاثة أقسام متساوية تمثل كل منها عشرين دقيقة في الفيلم وفي الواقع بحيث يمكن للمشاهدين اختبارها في مقاعدهم. عندما يعلم الجمهور بأن لدى لولا عشرين دقيقة لإنقاذ حبيبها ماني مقابل 100 ألف دولار، تبدأ الساعة بالعد للجمهور والشخصيات على حدّ سواء. يستخدم تايكر صوتاً مزدوجاً، واحد منهما يقدم التسلسل الزمني ثم يرفضه في الصوت الأخر.

يتم تحقيق هذه الإزدواجية للصوت عندما يقطع تايكر توظيفه الخاص للوقت الخارجي من خلال خلق صور مشوهة للوقت في الفيلم، هي عبارة عن لقطات لساعات حائط وساعات يدوية تمثل انعكاس التسلسل الزمني. بالرغم من تصوير الوقت بطريقة سريعة، فإن الوقت الحقيقي لكل قسم يبقى ثابتاً عند عشرين دقيقة. تخلق الأصوات والروايات المزدوجة في “اركضي لولا، اركضي” فيلماً مؤثراً في أسلوبه الروائي وقدراته التقنية الفنية.

إن فكرة الوقت والتاريخ وإمكانات الحياة البشرية تثري الفيلم سينمائياً وتوفر مساحات كبيرة من المناقشات. يوفر عمل تايكر الخلطة الصحيحة من الترفيه والتفكير النقدي الذي يمكن أن يكون آسراً حتى لعشاق الأفلام المميزين. إذا لم تشاهد الفيلم من قبل، فاجعله في قائمة أفلامك المفضلة في الفترة المقبلة، فهو في الحقيقة قطعة فنية من السينما الألمانية.

للترجمة العربية اضغط على

'Run Lola Run' Trailer

إعلان فيلم 'اركضي لولا، اركضي'

blog comments powered by Disqus